بعيدًا من الصّياح التّسويقيّ للمنتجات الكيميائيّة: C-aroma مشروعٌ لبنانيٌّ يردُّ للطّبيعة أسبَقِيّتها في العناية والعلاج. اعداد طوني لطيف حرب

مقدمة الموقع:

في زمنٍ تُصاغ فيه خياراتنا الاستهلاكيّة داخل غرف التسويق أكثر ممّا تُصاغ داخل وعينا، تزداد الحاجة إلى أصواتٍ تُعيد طرح الأسئلة الأساسيّة: ماذا نضع على بشرتنا؟ ماذا نستهلك؟ وكيف نميّز بين الحاجة الحقيقيّة والوهم الإعلانيّ؟ وبينما تتسابق العلامات التجاريّة إلى إغراء المستهلك بوعودٍ براقةٍ ونتائجَ سريعة، يبرز في لبنان جيلٌ جديدٌ من المبادرات الّتي تحاول إعادة الاعتبار للطبيعة، وللصناعة اليدويّة، وللعلاقة الأخلاقيّة بين المنتج والمستهلك. من هذا المنطلق، التقى الزميل طوني حرب كارول الدغل الشالوحي، مؤسِّسة مشروع C-aroma، لنناقش معها رحلة بناء علامةٍ لبنانيّةٍ طبيعيّة، وليتوقّف عند أسئلة الوعي الشرائيّ، وحدود التسويق، ومعنى الجودة الحقيقيّة في سوقٍ تزداد فيه الضوضاء وتقلّ فيه المعايير. (ناشر الموقع)

بعدما تحوّل المخلوق البشريّ كائنًا رقمِيًّا، يُعيد هاتفُه المحمول تشكيل نظُمه الإنسانيّة والاجتِماعيّة والفكريّة؛ بعدما بات الدّوبامين الرّقميّ، قوتُ الإنسان المعاصِر اليوميّ، يتحكّم بمزاجه واستجاباته العصبيّة وقراراته الآنيّة؛ بعدما صارت وسائل التّواصل الاِجتماعيّ مرجِعًا للمعايير المجتمعيّة، ومقياسًا للنّجاح والفشل، ومنبرًا للاستعلاء، واستعراضًا للرّفاهيّة والتّبجُّج؛ بعدما ارتدَّت المجتمعات عن الإنتاج وتغلغلت فيها ثقافة الاِستِهلاك؛ بعدما سيطرت المصانع والشّركات الكبيرة على وعي الإنسان الشّرائيّ، ونوَّمَت لديه حسّ التّمييز بين النّافع والضّارّ، ووجّهَت عقله الباطنيّ إلى تفضيل الطّالح على الصّالح، بشِعارات الاِستِدراج التّسويقيّة الكاذبة، والإعلانات المُتنكِّرة بثياب الحملان، والإيهام التّجاريّ الأجوَف؛ وبعدما فقَدَ الإنسان علاقته بالأرض وقطع رباطه بالطّبيعة، فانسلخ عن أصله التّرابيّ ومنشَأه الأوّل، توَلَّد ضياع الهُويّة، فأضحى الإنسان حَبيسَ الاقتِصاد الدّائريّ الّذي يتغذّى على لهاثه وراء كلّ جديدٍ لامِع المظهر.

في الفضاء التّجاريّ هذا، وُلد مشروع C-aroma لصاحبته كارول الدّغل الشّالوحي، المدرّبة المعتمدة من المجلس الأوروبّيّ. قبل أن يكون مشروعًا، “سي أروما” هو رمزٌ لامرأةٍ طموح، وأمٍّ مِعطاء، ورائدة أعمالٍ مُحاطة بعائلةٍ داعمةٍ دافئة، قرَّرت العَودة إلى أحضان الطّبيعة، لاستِقاء العلاجات الطّبّيّة والجماليّة، وتكوين مساحةٍ خاصّةٍ تُصنَع فيها منتجاتٌ من زيوت الحبّ وعُطور الأرض ولمسةِ الأُمّ. وكما تعرِّف كارول بالمشروع، فإنّ “سي أروما” قبل أن يكون علامةً تِجارِيّة، هو حلمٌ وُلِد من شغفٍ بالمنتجات الطّبيعيّة اليدويّة، فهو يختصّ بإنتاج الصّابون، والعطور، وزبدات الجسم، ومنتجات العناية بالبشرة والشّعر. نتعرّف اليوم إلى مشروعٍ لبنانيٍّ صغيرٍ صاعِدٍ بسرعة الصّاروخ، بإدارة أمٍّ لبنانيّةٍ عامِلة، خَضعَت لاندِفاعِها الظُّروف، فاقتحمَت سوق المستحضرات الطّبيعيّة، تَصنيعًا وتدريبًا.

كما نستغلّ خبرتها للتّطرّق إلى مفهوم الوعي الشّرائيّ، والتّسويق المقنَّع للموادّ الكيميائيّة وتهافُت النّاس على شرائها، بالإضافة إلى تقاطع المعايير الأخلاقيّة في عمليّة التّصنيع مع معايير السّوق التّجاريّة.

في لبنان، هل بدءُ مشروع هو فعل شجاعةٍ أم مخاطرةٌ غير محسوبة؟برأيي، هو الأمران معًا. في لبنان، أيّ شخصٍ يقرّر أن يبدأ مشروعًا من الصّفر، وسط هذه الظّروف الصّعبة، يحتاج إلى شجاعةٍ حقيقيّة. لكن الشّجاعة وحدَها لا تكفي، لأنّ الاستمراريّة تتطلّب تخطيطًا وصبرًا وإيمانًا بالفكرة. بدأتُ من شغفٍ، وبالرّغم من إدراكي أنّ الطّريق لن يكون سهلًا، فاخترتُ أن أصنع الفرصة بدل أن أنتظرها.

حين قرّرتِ أن تصنعي منتجًا طبيعيًّا، هل كان القرار أخلاقيًّا أم تجاريًّا في الأساس؟

في البداية، كان قرارًا نابعًا من قناعةٍ شخصيّةٍ، قبل أن يتحوّل مشروعًا تجاريًّا. كنتُ أؤمن بأنّ الإنسان يستحقّ منتجاتٍ تُصنع بصدقٍ ووعي، لا بهدف البَيع فحسب، إنّما بما يُراعي القيمة الّتي تقدَّم له فعلًا.ومع الوقت، تبيّن لي أنّ هذا النّوع من الالتزام، ليس مثاليًّا أو بعيدًا من الواقع كما يُظنّ، لأنّه أساسٌ لنجاحٍ تجاريٍّ حقيقيّ، حين يقوم على الجودة والشّفافيّة، وبناء ثقةٍ طويلة الأمد مع المستهلك.

بالرّغم من أنّ المنتجات الطّبيعيّة أكثر إفادة وصحّة وأعلى جودة، فما الّذي يدفع النّاس إلى تفضيل المنتجات البتروكيميائيّة عليها؟

لا شكّ في أنّنا في زمنٍ يغلب التّسويق فيه الوعي غالِبًا. فالكثير من النّاس يتّخذون قراراتهم بناءً على الإعلان الجاذِب، أو السّعر السّريع، أو النّتائج الفوريّة المنتظَرة، من دون التّوقّف عند التّأثيرات طويلة الأمد على البشرة، أو الشَّعر، أو الجسد، أو الصّحّة عامّةً.

ما حُظوظُ جودةِ المنتج الطّبيعيّ المحلّيّ، أمام وحش التّسويق والمنافسة العالميّة؟

الجودة بالنسبة إليّ لا تبدأ من التّغليف، إنّما من الضّمير. تبدأ من اختيار الموادّ الخام بعناية، ومن طريقة التّصنيع، ومن اِلتزام النّظافة والمعايير العلميّة الّتي تُبنى عليها كلُّ خطوةٍ، إضافةً إلى احترام المستهلك في كلّ تفصيلٍ، من الشّفافيّة في المكوّنات وصولًا إلى صدق النّتيجة. فالمنتج الطّبيعي الحقيقيّ، لا يُعبَّر عنه بعبارةٍ تُكتب على العلبة أو بوَسيلةٍ تسويقيّة، لأنّه مسؤوليّةٌ تبدأ من الفكرة الأولى حتّى تَمامِ التّصنيع، وما بينهما من اِلتزامٍ لا يُرى لكن يُحَسّ.

برأيكِ، هل المستهلك يشتري المنتج المحلّيّ لمجرّد الدّعم أم عن قناعة وثقة؟

أحيانًا نعم، وهذا ما نراه يوميًّا على مواقع التّواصل. ولكنّني أؤمن بأنّ التّسويق قد يجذب النّاس مرّةً واحدة، فيما الجودة وحدَها كَفيلةٌ بِجَعلهم يشتَرون مرّةً ثانيةً وثالثة… لهذا السّبب، أحاول أن أبني علاقة ثقةٍ طويلة الأمد مع الزّبون، تقوم على التّجربة الحقيقيّة والنّتائج الصّادقة، لا على مجرّد عمليّة بيعٍ وشراءٍ عابرة.

بعد خبرتك في هذا مجال، ما الأفكار المغلوطة الشّائعة عن المنتجات الطّبيعيّة؟ المنتج الطّبيعيّ يعني دائمًا منتجًا ضعيفَ الفعّاليّة، أو كلُّ ما يُكتب عليه “طبيعيّ” هو بالضّرورة آمنٌ وصحّيّ. في الواقع، الجودة لا تُقاس بالشّعار، لأنّها نتيجةً للتّركيبة الصّحيحة، ولطريقة التّصنيع، ولمدى فهم الموادّ المستعمَلة وكيفيّة تفاعلها. فالطّبيعة تكون خطيرةً وسامّة، ما لم تُرافقها معرفةٌ علميّةٌ دقيقةٌ، ومسؤوليّةٌ في الاختيار والتّصميم والتّطبيق.إلى أيّ مدًى، يضيّق السّوق بمعاييره الاستهلاكيّة، على معاييرك الأخلاقيّة في التّصنيع؟

السّوق اليوم، يفرض أحيانًا معاييرَ مبالغًا بها: نتائج فوريّة، أسعارًا منخفضة جدًّا، كمّيّات إنتاج ضخمة. وهذا يضع المنتج الطّبيعيّ تحت ضغطٍ حقيقيّ، لأنّه يحتاج إلى وقتٍ للتّحضير والتّركيب، وجودةٍ عاليةٍ للموادّ، ودقّةٍ أكبر في التّصنيع والعناية بكلّ مرحلة.

في المقابل، ألاحظ أنّ هناك فئةً من النّاس بدأت تعيد النّظر في اختياراتها، وتبحث عن القيمة الحقيقيّة بدلًا من السّرعة أو السّعر فقط. وهذا التّحوّل، وإن كان تدريجيًّا، يمنح المشاريع الّتي تقوم على الجودة والصّدق فرصةً للاستمرار والنّموّ.

كيف يمكن أن ينتقل “الطّبيعيّ” من موضةٍ ولافتةٍ تسويقيّةٍ، إلى مفهومٍ حقيقيٍّ طبّيٍّ ومُعالِج؟

يبدأ الأمر بالوعي والمعرفة، لا بالشّعارات. فعندما يُبنى المنتج التّركيبيّ على تركيباتٍ مدروسةٍ، وفهمٍ علميٍّ دقيقٍ للمكوّنات، وتجارب حقيقيّةٍ تُثبت فعّاليّته، يتحوّل من مجرّد ترند عابرٍ إلى مفهومٍ أكثر ثباتًا وواقعيّة. فالطّبيعة لا تُختزل في كَونها موضةً موسميّة، فهي علمٌ ومسؤوليّةٌ، وأسلوب حياةٍ يقوم على التّوازن بين الفهم العميق والتّطبيق الواعي.

أين يتقاطع الابتكار والتّجديد في التّركيبة، مع خيانة المبدأ الطّبيعيّ؟الابتكار ضروريّ، لأنّ التّطوّر جزءٌ من أيّ صناعةٍ ناجحة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الهدف الوّحيد تقليلَ الكلفة أو خلق نتائج سريعةٍ على حساب جودة التّركيبة وصدقها. برأيي، الابتكار الحقيقيّ لا يلغي روح المنتَج الطّبيعيّ، بل يطوّرها محافظًا على فعّاليّة المنتَج وأمانِه وهُويّته.من المسؤول الأوّل عن تثقيف المستهلك وتوعيته؟المسؤوليّة مشتركة، ولكنّها تبدأ منّا نحن الصّنّاع والمختصّين. فلا يكفي طرح المنتَج في السّوق أو بيعه، لأنّ من الضّروريّ شرحَه وتوضيح خلفيّته العلميّة، والإسهام في بناء وعيٍ حقيقيٍّ لدى المستهلك.

من جهةٍ أخرى، يقع على الإعلام والجامعات، والجهات الرّقابيّة أيضًا، دورٌ أساسيٌّ في ترسيخ ثقافة الاستهلاك الواعي، ونشر المعرفة الدّقيقة. فكلّما ارتفع مستوى الوعي، أصبح المستهلك أقلّ عرضةً للتّضليل، وأكثر قدرةً على الاختيار المبنيّ على فهمٍ وثقة.في ظلّ السّوق المتنامي للمستهلك الواعي صحّيًا، من يفرّق لنا بين الطّبيعيّ الصّافي النّظيف والطّبيعيّ المغشوش؟ وعليه، ألم يحن وقت إقرار تشريعٍ وطنيٍّ لتعريف المنتج الطّبيعيّ، وحماية المستهلك من الغسيل الأخضر؟

أصبحت كلمة “طبيعيّ” تُستخدم أحيانًا كلغةٍ تسويقيّةٍ أكثر ممّا هي توصيفٌ حقيقيّ للمنتَج، ما خلق خلطًا بين المنتج الطّبيعيّ الفعليّ، ومنتَجاتٍ تستخدم هذه الكلمة لأهدافٍ تجاريّة. لذلك، فإنّ وجود تشريعاتٍ ومعايير واضحةٍ أصبح ضرورة، لا لحماية المستهلك من التّضليل وحسب، بل لدعم المنتِجين الجادّين الّذين يعملون بصدقٍ واحتراف.

وفي المقابل، ألاحظ أنّ وعي المستهلك يتطوّر تدريجيًّا، بحيث أصبح يسأل ويبحث أكثر قبل الاختيار، وهذا تحوّلٌ إيجابيٌّ يسهم، مع وجود الرّقابة، في رفع مستوى السّوق، وتعزيز الثّقة بالمنتَج المحلّيّ.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn