ثقافة التزلف في لبنان: كيف أصبح المديح طريقاً إلى النفوذ؟ استعراض مقال فاروق غانم خدّاج في إيلاف

نُشر هذا المقال في موقع إيلاف للكاتب الأستاذ فاروق غانم خدّاج بعنوان “جمهورية المتزلفين: كيف انتصرت ثقافة المديح على الكفاءة؟”، ويتناول ظاهرة ثقافة التزلف في لبنان باعتبارها إحدى المشكلات البنيوية التي أثرت على الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية، حيث تراجعت معايير الكفاءة والاستحقاق أمام الولاءات الشخصية وشبكات النفوذ.

ويرى الكاتب أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في الآليات التي تسمح بوصول الأفراد إلى مواقع القرار والتأثير، والتي تجعل القدرة على إرضاء أصحاب السلطة أكثر أهمية من القدرة على الإنجاز والإبداع.

ويبدأ الأستاذ فاروق غانم خدّاج بتوضيح الفرق بين المديح الطبيعي الذي ينشأ من الاحترام أو التقدير أو المجاملة الاجتماعية المقبولة، وبين التزلف بوصفه سلوكاً ممنهجاً يهدف إلى تحقيق مكاسب شخصية أو مهنية.

فالمشكلة ليست في كلمات الثناء بحد ذاتها، وإنما في تحولها إلى وسيلة للوصول إلى المناصب والامتيازات، بحيث تصبح العلاقة مع السلطة قائمة على ما يريد المسؤول سماعه لا على ما يحتاج إلى معرفته من حقائق وآراء صادقة.

ويشرح الكاتب كيف تشكلت عبر عقود طويلة دوائر واسعة من المتزلفين حول السياسيين والزعامات الدينية والحزبية في لبنان. فبدلاً من أن يكون الحضور في الشأن العام قائماً على المشاريع والأفكار والرؤى الإصلاحية، أصبح لدى البعض مهارة مختلفة تتمثل في قراءة مزاج أصحاب النفوذ وإتقان فنون الإرضاء والمبالغة في الثناء.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسات إلى جزء من الثقافة السياسية والإدارية السائدة، بحيث باتت صور التمجيد والخطابات المبالغ فيها والبيانات التي ترفع المسؤولين إلى مرتبة الاستثناء مشهداً مألوفاً في الحياة العامة.

ويربط المقال بين ثقافة التزلف في لبنان وبين التحديات التي واجهت مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية. فبحسب الكاتب، انعكست هذه الثقافة على التوظيفات والتعيينات داخل الإدارة العامة، حيث لم تكن الكفاءة في كثير من الأحيان العامل الحاسم في اختيار الموظفين أو المسؤولين. ونتيجة لذلك شهدت بعض المؤسسات تضخماً في عدد العاملين وتراجعاً في الإنتاجية والفعالية، لأن شبكات العلاقات والولاءات أصبحت تلعب دوراً أكبر من معايير الجدارة والخبرة. وهكذا تحولت بعض المواقع الوظيفية إلى امتداد لمعادلات النفوذ السياسي والاجتماعي بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.

كما يلفت الأستاذ فاروق غانم خدّاج إلى أن الأضرار الناتجة عن التزلف لا تقتصر على الدولة ومؤسساتها، بل تطال أصحاب القرار أنفسهم. فعندما يحيط المسؤول نفسه بأشخاص لا يقدمون له سوى الثناء والتأييد، يفقد تدريجياً القدرة على تقييم الواقع بصورة موضوعية.

وفي غياب النقد الصادق والآراء المختلفة، تصبح الصورة التي يتلقاها عن أدائه مشوهة، ويتحول أي اعتراض أو ملاحظة نقدية إلى تهديد أو استهداف شخصي. وبهذه الطريقة تنفصل القيادة عن الواقع وتصبح أكثر عرضة لاتخاذ قرارات خاطئة مبنية على الانطباعات لا على الحقائق.

ويؤكد الكاتب أن المسؤولية لا تقع على المتزلفين وحدهم، بل تشمل أيضاً بعض أصحاب النفوذ الذين يدركون طبيعة هذه العلاقات ويستفيدون منها. فهناك من يجد في المديح المستمر مصدراً للراحة أو تأكيداً للمكانة، وهناك من يخشى خسارة شبكات الدعم التي يوفرها الموالون له، فيما يقوم النظام السياسي نفسه في أحيان كثيرة على تبادل المصالح بين الحماية والولاء. ومن هنا تتكرس ثقافة غير معلنة تجعل القرب من مراكز القرار أكثر قيمة من الكفاءة أو الجرأة على قول الحقيقة.

ويتوسع المقال في تناول الأثر الاجتماعي لهذه الظاهرة، معتبراً أن أخطر نتائج ثقافة التزلف في لبنان تكمن في تأثيرها على وعي الأجيال الجديدة. فعندما يرى الشباب أن النجاح والترقي لا يرتبطان دائماً بالعمل الجاد أو الكفاءة أو الإنجاز، بل بالعلاقات الشخصية والقدرة على التموضع داخل دوائر النفوذ، فإن مفهوم الاستحقاق نفسه يتعرض للتشويه. وبذلك لا تقتصر المشكلة على السياسة والإدارة، بل تمتد إلى القيم الاجتماعية التي تحدد نظرة الأفراد إلى النجاح والمستقبل.

ويخلص الأستاذ فاروق غانم خدّاج إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إعادة الاعتبار إلى معيار الكفاءة في مختلف المجالات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وخلق بيئة تسمح بالنقد والمساءلة وتقبل الرأي المختلف. فالدول لا تتقدم بعدد المصفقين أو بحجم المديح الذي يملأ فضاءها الإعلامي، بل بقوة مؤسساتها وقدرتها على اختيار الأشخاص الأكثر كفاءة واستحقاقاً.

ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفساد الإداري أو المالي، بل ضد ثقافة تجعل المديح طريقاً موازياً للسلطة وتمنح الولاء أولوية على الحقيقة والإنجاز.

ويختتم المقال بالتأكيد أن تآكل الدول لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ عندما تتحول الممارسات الخاطئة إلى أعراف مقبولة، وعندما يصبح التزلف نظاماً غير معلن يفتح الأبواب ويمنح الامتيازات. لذلك فإن استعادة الثقة بالمؤسسات وبمستقبل الدولة تتطلب ترسيخ ثقافة الاستحقاق والكفاءة، بحيث يصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي للتقدم، لا القدرة على إتقان فن المديح أو البقاء قريباً من مراكز النفوذ.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn