حنينٌ لما لم يُعَش: فلسفة الشوق للأزمنة المفقودة والأمكنة المستحيلة. بقلم الدكتور خطّار حاطوم

​يتسلل إلى الروح في لحظات الشفافية الغامضة انفعال وجداني عصيٌّ على التسمية، شعورٌ بالحنين الحاد والموجع، لا إلى منزل القدامى ولا إلى مقاعد الطفولة، بل إلى زمن لم تطأها أقدامنا يوماً، أو مكانٍ لم نكحل بأرجائه أبصارنا قط. يجلس المرء في صمت مسائه، فيداخله شغفٌ غريب لرائحة أزقة في القرن الثامن عشر، أو شوقٌ لحديث لم يخضه تحت ظلال مكتبة اندثرت قبل أجيال، وكأن النفس تثبت وجوداً سابقاً أو تدعي انتماء لغريب لم تره. إنها الظاهرة التي تُعرف في أغوار النفس بـ «الشوق غير المعاش»، أو حنين الغرباء للماضي المجهول؛ حالة إنسانية فريدة تقف شاهداً على أن الذاكرة البشرية ليست مجرد سجل بيولوجي للحوادث التي جرت، بل هي أفق ميتافيزيقي متسع يتجاوز حدوده الزمنية والشخصية.​

حين نخضع هذا الشعور المربك للبحث التحليلي، نكتشف أن العقل الإنساني يمارس صنيعاً عجيباً يسمى «الارتحال الوجداني العابر للزمان». إن الذات حين تضيق بظروف حاضرها، أو تصطدم بجفاف الواقع المعاصر ورتابته، لا تكتفي بالهروب نحو المستقبل عبر أوهام الأمل، بل تمارس قفزة عكسية حادة نحو ماضٍ مفترض، تصنعه من شتات رواية قديماً قُرئت، أو لوحة جدارية أُطيل فيها النظر. غير أن هذا الماضي المبتكر لا يُستحضر بعلاته وأزماته التاريخية، بل يُستخلص منه الجوهر الجمالي الرفيع فقط؛ فيغدو العصر المفقود خاوياً من المرض والفقر والخوف، وجليّا بصفاء المعنى ونقاء الروح.

إن هذا التباين بين واقعٍ معيش يتسم بالهشاشة، وماضٍ خيالي يتسم بالكمال، هو المتكأ الذي ينبت عليه ذلك الحنين السرابي.

​لكن المأزق الفلسفي العميق لا يكمن في روعة الخيال، بل في طبيعة الانتماء الروحي؛ فهل يصح القول إن الإنسان كائنٌ محبوس في إطار عصره الجغرافي والبيولوجي فحسب؟ أم أن الوعي البشري يمتلك شبكة واقعية أوسع، تشعر بالغربة في حاضرها لأنها تستشعر جينات إنسانية جمعية تمتد لآلاف السنين؟ لقد أشار علم النفس التحليلي قديماً إلى وجود «اللاشعور الجمعي»، إلا أن المعاناة الفردية من هذا الشوق تتجاوز مجرد التنظير الفكري؛ إنها اختبار حي لحالة من اليتْم الزماني، حيث يشعر الفكر بأنه كُتب عليه أن يولد في العصر الخطأ، وأن أفكاره وأشواقه واحتياجاته الروحية تنتمي إلى سياق حضاري أعمق وأرحب من الماديات المحيطة به اليوم.

​إن الاعتراف بصحة هذا الشوق الغريب لا يعني الانفصال التام عن الواقع أو الانغماس في ظلال العدم، بل إن الصوت الأخلاقي والناقد يطالبنا بإدراك القيمة الوظيفية لهذه الغربة الروحية. إن الحنين لما لم يُعَش ليس دليلاً على العجز، بل هو شهادة ناصعة على ثراء المخيلة الإنسانية ورفض النفس أن تُحصر في أبعاد المادة والاستهلاك الضيق.

هذا الحنين هو الباعث الأول للجمال؛ منه وُلدت أعظم الدواوين الشعريّة، وبه رُسمت اللوحات الخالدة، وعبره شيّد الفلاسفة مدنهم الفاضلة. إنه المحرك المحتجب الذي يذكر الإنسان باستمرار بأنه ليس مجرد رقم في سجلات عصره، بل هو سليل تجربة وجودية ممتدة تشتاق دوماً إلى ما هو أبعد وأكثر صفاء.

​إن الغوص في أسرار هذا الشوق العابر للأزمنة يوصلنا في النهاية إلى حقيقةٍ إنسانية جامعة: إننا لا نشتاق في جوهر الأمر إلى أزمنةٍ مضت ولا إلى أمكنةٍ اندثرت، بل نشتاق إلى «المعنى المطلق» الذي نتوهم أنه كان مجسداً في تلك العوالم.

كان الأجداد يطمحون إلى هذا الصفاء الروحي في عصرهم، ويحن المعاصرون إلى عوالم الأجداد، وتظل الروح في حركة دائمة تبحث عن مستقرها. ربما لم ندرك تلك العصور المفقودة ولن نطأها أبداً، لكن مجرد قدرتنا على الشعور بالحنين إليها يظل إثباتاً بليغاً على أن الروح الإنسانية أكبر من زمنها، وأن أصالتها تكمن في قدرتها الشجاعة على الحلم بالكمال حتى وإن كان يومض من أفقٍ لم يشعر به أحد.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn

Your Next Chapter Starts Here

I'll help you unlock new opportunities and turn your passion into progress
آخر الإضافات

النشرة البريدية

بريدي من بيروت
اشترك لتصلك رسائل فكرية وأدبية من قلب المدينة.