أثرُ التّعطيلِ على التّعليم.| كتبت د. صباح بريش

للمدرسةِ دورٌ في تأسيسِ الطّالبِ وتأمينِ مستقبلِه وتعليمِه وتثقيفِه. “مَن علّمني حرفًا فكَّ لي قيدًا”. المدرسةُ تفكُّ قيودَ الجهلِ والعبوديّةِ والتّبعيّةِ والانقياديّةِ، والعلمُ يجعلُ الطّالبَ منفتحًا على الحياة، يفهمُ ما يدورُ حولَهُ، يلاحظُ، يتثقّفُ. الطّالبُ مستقبلُ الأمّةِ. فمَنِ المسؤولُ عنْ إيصالِ الثّقافةِ والعلمِ إلى الطّالبِ؟ المدرسةُ والمعلّمُ والأهلُ والمجتمعُ والمطالعةُ والاستطلاعُ.

العلمُ ينيرُ العقولَ ويهذّبُ النّفوسَ، كلّما تعمّقَ بهِ الإنسانُ يشعرُ بمدى حاجتِه للازديادِ. فالعلمُ بحرٌ، ومهما تعلّمْنا ينقصُنا الكثير.ما انعكاساتُ التّعطيلِ على التّعليمِ؟ “النّظامُ ملحُ الأرض”، الطّالبُ يخسرُ التزامَه النّظاميَّ في دراستِه وفي حياتِه. حيثُ إنَّ ذهابَهُ إلى المدرسةِ يجعلُه منظّمًا ومنتظمًا في استيقاظِهِ وأدائِه. ويجعلُه يلتزمُ. والالتزامُ ضروريٌّ للنّجاحِ في الحياةِ. ذهابُ الطّالبِ إلى المدرسةِ يجعلُه يستثمرُ وقتَه أحسنَ استثمارٍ. “فالوقتُ كالسّيفِ إنْ لمْ تقطعْه قطعَك.” فكمْ نحنُ أحوجُ إلى إنسانٍ يحترمُ وقتَه ويعرفُ قيمةَ حياتِه. ويستحقُّ أنْ يحيا، فمالِكُ وقتِه مالكٌ كلَّ شيءٍ يصبحُ سيّدَ الأحرارِ، سائسًا حكيمًا يديرُ شؤونَه وشؤونَ الكائناتِ حولَه.

فإذا اعتادَ المرءُ على استثمارِ وقتِهِ استيقظَ باكرًا ووضعَ خطّةَ عملٍ يوميّةً وأسبوعيّةً وشهريّةً وسنويّةً، وغدَتْ حياتُه منظّمةً. “منْ يقرأْ وهو صغيرٌ يقرأْ وهو كبيرٌ، ويستمرَّ في القراءةِ مدى الحياة”.

يُفرَغُ وقتُ الطّالبِ، ولا يعرفُ ماذا يفعلُ، فهوَ لمْ يوجّهْ جيّدًا منْ قبلِ أهلِه ومعلّميه، حيثُ إنّ الكثيرَ منَ الفارغينَ يقضونَ نهارَهم في لعب games على الهاتفِ. هؤلاءِ هم مهندسو إضاعةِ الوقتِ كما نعتَهم الكاتب”عبّاس محمود العقّاد”. يقيمون بنيانًا منَ العدمِ ويهدمون أبراجَ الوقتِ كلَّها بجلوسِهم على أرائكِ التّسويفِ. إنّ أفرغَ النّاسِ هو الّذي لا يستطيعُ أنْ يملأَ ساعاتِ فراغِه، بالأحرى لا يعرفُ أنْ يملأَ ساعاتِ فراغِه بما هوَ مجدٍ ومفيدٍ ونافعٍ.

هذا التّعطيلُ القسريٌّ يساهمُ في إضاعةِ الوقتِ وعدمِ تنظيمِ المعلّمِ والطّالبِ لحياتِهما، فيرغبُ الإنسانُ بشكلٍ عامٍّ في الإضراباتِ والعطلِ ويزدادُ كسلًا وتوقًا إلى اللّهوِ والنّومِ والعبثِ بالوقتِ، والقليلُ منْهم مَنْ يستغلُّ الفرصَ والعطلَ ويستفيدُ منْها.

هذا التّعطيلُ يعطّلُ الإبداعَ عندَ المعلّمِ وعندَ الطّالبِ أيضًا، فتغدو حياةُ كلٍّ منْهما مجرّدَ شرائحَ في العطاءِ الآنيِّ والوقتِ المتقطّعِ. حتَّى المعلوماتِ الّتي أعطيَتْ ينساها الطّالبُ، لأنَّ المعلوماتِ بحاجةٍ إلى التّثبيتِ والاستمرارِ والمتابعةِ، ما يؤثّرُ على توحيدِ الرّؤيةِ المتكاملةِ للعمليّةِ التّعليميّةِ. حبّذا أنْ يستفيدَ الإنسانُ منْ أوقاتِ فراغِه ويستثمرَ العطلَ القسريّةَ.

ما أخطرَ ألّا نرسمَ هدفًا أمامَنا! ما أخطرَ أنْ تسألَ الطّالبَ:” بمَ ستختصُّ؟” فيجيبُك:” لا أعلمُ، آملُ في نيلِ شهادتي أوّلًا، ضبابيّةٌ تلفّ مستقبلَنا، نحنُ الطّلّابَ.” فالطّالبُ في بلدي لا يرسمُ هدفًا للغدِ، لأنَّ مستقبلَه ورقةٌ في مهبِّ الرّيحِ، بعضُهم لا يعرفُ كيفَ يستغلُّ وقتَه.

فكيفَ نساعدُ هؤلاءِ النّاشئةَ على أنْ يتمكّنوا منَ التّخطيطِ لمستقبلِهم؟ وما هيَ واجباتُنا تجاهَهم كأهلٍ ومعلّمينَ؟

!نأملُ منْ طلّابِنا الأعزّاءِ استغلالَ وقتِ فراغِهم لأنَّها فرصةٌ لا تتأتّى دائمًا. فمن فوّتَ الفرصةَ منْ يدِه مرّةً، فاتَتْه متعةُ الاستراحةِ، ومتعةُ الإنتاجِ، ومتعةُ الوجودِ.المعلّمُ يخرّجُ الطّبيبَ والضّابطَ والمهندسَ والسّفيرَ والقنصلَ والوزيرَ والنّائبَ. كلُّ هؤلاءِ كانُوا في يومٍ ما يجلسونَ على مقاعدِ الدّراسةِ يتعلّمونَ منْ أستاذٍ يشرحُ لهم الدّرسَ، ويصحّحُ لهم الفرضَ ويجيبُ عنْ أسئلتِهم وتساؤلاتِهم واهتماماتِهم.

فهوَ القائدُ الملهمُ المتابعُ السّاهرُ المعطاءُ.المعلّمِ هوَ مَنْ خرّج ويخرّجُ النّشءَ، مَنْ أنارَ العقولَ وأضاءَ النّفوسَ ودلَّ الأجيالَ على طريقِ الخيرِ والفضيلةِ، هو منْ أزاحَ عنّا الجهلَ وأنارَ دربَنا بالعلمِ والهدايةِ. يتعبُ ويشقى ويسهرُ اللّياليَ إلى أنْ تخرّجَ، ويخضعُ لامتحاناتٍ في مجلسِ الخدمةِ وفي الجامعةِ، ويخضعُ لدوراتٍ تدريبيّةٍ على المناهجِ هنا وهناك ليطوّرَ عملَه وأداءَه. منَ البديهي أنْ يركّزَ لبنانُ على القطاعِ التّربويّ والعلميّ كأساسٍ لنهضتِهِ، كونُه بلدًا لا يستمتعُ بمواردَ طبيعيّةٍ بارزةٍ. لا بدّ أن يستندَ إلى عناصرِ العلمِ والتّربيةِ والثّقافةِ تحديدًا لميزاتِه بينَ الدّولِ. ما ذكِرَ أعلاه يشيرُ إلى أنّ نجاحَ لبنانَ، كما إخفاقَه في تطويرِ نظامِه التّربويِّ وتوسيعِ مقدرةِ أبنائِهِ، استيعابًا للعلومِ وإسهامًا في تطويرِها في آنٍ، هو الّذي سيحدّدُ هُويّتَه المستقبليّةَ ودورَه الإقليميَّ والدّوليَّ. حتّى إذا فشلَ في أنْ يكونَ خلّاقًا ورائدًا تحوّلَ إلى مجرّدِ رقعةٍ جغرافيّةٍ يتبارى أهلوهُ عليْها معَ أمثالِهم منَ الشّعوبِ تنافسًا على الكسبِ والصّفقاتِ التّجاريّةِ.

إذا كانَ التّعليمُ ما قبلِ الجامعيِّ مهدّدًا ومضطربًا، والجسمُ التّعليميُّ يتداعى بالألمِ، إنْ تعطّلَ التّعليمُ في الحلقاتِ الأساسيّةِ وفي الحلقةِ الثّانويّةِ يخسرُ الطّالبُ المعلوماتِ، ويتقلّصُ الأداءُ وتموتُ الطّموحاتُ أمامَ صخرةِ الواقعِ. فأيُّ مستقبلٍ ينتظرُنا؟ فالتّعليم ما قبل الجامعيِّ يجعل الطّالبَ يكوّنُ شخصيّتَه ويعرفُ ماذا يريد، وأيُّ اختصاصٍ يدرسُ ويختصُّ. بما يتلاءمُ وميولَه وقدراتِه وكفاءاتِه. يكونُ مؤهّلًا على أساس إنسانيّ وخَلقيّ مع حركة الفكرِ والرّأي ليتمكّنَ منْ توطيدِ مكانةِ لبنانَ حضاريًّا في العلم، وتنميةِ قدراتِه في التّعاطي معَ التّطوّراتِ العالميّةِ في شأني الثّقافة والحضارةِ في مناخٍ معافى منَ الحرّيّةِ الأكاديميّة والعلميّة والبحثيّة. فإذا كانَ التّعطيلُ يكونُ الفراغُ والبعدُ عنِ الحرّيّة. لأنّ للطّالبِ الحقَّ في التّعلِّمِ واكتسابِ المعارف، وفي تكوينِ ثقافتِه وفي تنميةِ قدراتِه وحضورِه وشخصيّتِه وحرّيّتِه في الفكرِ والرّأي والمعتقدِ واختيارِ الاختصاصِ الّذي يلائمُه، والّذي يحتاجُ إليه الوطنُ لينموَ ويزدهرَ.

ما معناه، إنَّ تعطيلَ التّعليمِ يساهمُ في تقويضِ أسسِ التّربيةِ ويساهمُ في هدمِ جيلٍ طامحٍ، فيغدو عابثًا لاهيًا لا يقدِّرُ الوقتَ والعلمَ والعملَ. يستجدي المعلوماتِ من هنا وهناك.للتّعطيلِ بعدٌ مهمٌّ جدًّا، فهوَ يبترُ العلاقاتِ الاجتماعيّةَ، فكثيرٌ منْ صداقاتٍ كوّنّاها على مقاعدِ الدّراسةِ، ومنَ الوظيفةِ، والمساهمةِ في المناسبةِ الاجتماعيّة. لكنّ السّوادَ الأعظمَ منْ هذا الجيلِ الّذي تعلّمَ أولاين أوتوقّف عنِ الدّراسةِ في فترة كورونا ولبسَ كُمامةً، وتعلّمَ أن يبتعدَ عنْ أخيهِ الإنسانِ لأنَّهُ سببُ مرضِه وموتِه، ثمّ عَطّل عنِ الدّراسةِ قسريًّا بسبب الظّروفِ الأمنيّةِ. فتراهُ يعتادُ العزلةَ وعدمَ المخالطةِ وعدمَ بناءِ صداقاتٍ معَ الآخرينَ. ” فمن شبَّ على شيءٍ شابَ عليه”، عندئذٍ تتأثّرُ العلاقاتُ الاجتماعيّةُ، فيعتادُ الجيلُ الصّاعدُ على المكوتِ على الهاتفِ في زاويةٍ له من زوايا البيتِ، فلا يتدخّلُ أحدٌ بأحدٍ. ما يجعلُ الأُسَرَ تُحَلُّ والعلاقاتِ تتقوّضُ. واللّهُ أعلم.

أمّا التّسرّبُ المدرسيُّ فهوَ ظاهرةٌ خطيرةٌ منتشرةٌ بشكلٍ كبيرٍ في مختلفِ المجتمعاتِ حيثُ إنَّها تؤثّرُ في الطّفلِ سلبًا وتعيقُ نموَ المجتمعِ وتطوّرَه وتقدّمَه في مختلفِ مجالاتِ الحياةِ، وتحدثُ هذه الظّاهرةُ للعديدِ منَ الأسبابِ الّتي ينبغي تسليطُ الضّوءِ عليْها لمعالجتِها.

فمن هذهِ الأسبابِ: وجودُ صعوباتٍ في التّعلّمِ، تدنٍّ في المستوى والتّحصيلِ العلميّ، ضعفُ القابليّةِ تجاهَ التّعلّمِ منْ قبلِ الطّالبِ، وجودُ مشاكلَ في الأُسرةِ، وجودُ حالاتِ الطّلاقِ والانفصالِ حيثُ تقلُّ درجةُ الاهتمامِ والإشرافِ على الأبناءِ منْ قبلِ الأهلِ. إهمالُ الأُسرةِ ظاهرةَ التّعليمِ، لجوءُ الطّالبِ إلى العملِ في أثناءِ هذه المرحلةِ بسببِ فقرِ الأسرةِ أو تدنّي دخلِها. وجودُ مشاكلَ في البيئةِ المدرسيّةِ ونفورُ الطّالبِ منَ المدرسةِ، افتقارُ شعورِه بالانتماءِ، وفاةُ أحدِ الوالدينِ خاصّةً الأم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn