أمي…نافذةٌ تتسع للبيتِ الضيّقِ،
الليلُ يوزّعُ الظلالَ كالغيابِ.
كنتُ قميصَها،
فصرتُ ترابًا على كفّيها.
علّمتني
ضجّةَ الجذورِ تحتَ السريرِ،
وظهرَ القمرِ
حاملًا أخبارَ الغائبينَ
الذين لا يعودونَ
إلا إذا رجعتِ الريحُ
من بابٍ خلفيّ للذاكرةِ.
صوتُها يوزّعُ الخبزَ على الطريقِ الموصَدِ،
شروقان:
نافذةٌ مكسورةٌ،
وعيونُ الجوعى
الذين رأوا وطنًا
ثم نسوا كيفَ يُغمضونَه.
تضعُ القهوةَ على النارِ وتقولُ:
«الليلُ ليس طويلًا إذا جعلتَ الغيابَ نبيذًا.»
كانت تقرأُ الغيمَ
قبل أن يولَدَ المطرُ بجرحينِ،
وتعرفُ أين يختبئُ الملحُ
في الخبزةِ المقسّمةِ
على حدودٍ لا تراها الخرائطُ
لكنها ترى دمَ الخبزةِ حين تُقسَم.
أمي…أنا الحجرُ في بئرِ الغيابِ،
لئلا يجفَّ البئرُ
وليسعَ وجعَ العائدينَ كلَّهم.
نافذتُها وطنٌ،
ومفتاحُها نبيٌّ
يصلّي لريحٍ
تحملُ الترابَ إلى الترابِ.
علّمتني الموتَ القليلَ كلَّ صباحٍ
كي أتذكّرَ أنّي حيّ.
أمشي خلفَها على طريقٍ لا ينتهي:
غيمةٌ تصيرُ خبزًا،
حصاةٌ تصيرُ نبيذًا،
وغبارُ ثوبِها
كتابٌ لا يُقرأُ
إلا بالدموعِ المِلح.
قالت لي:
«في المدنِ الغريبةِ
انظرْ إلى أقدامِ العابرينَ.
القدمُ التي تعرفُ الترابَ
لا تخونُ،
ولو قُطّعتْ على أسلاكِ الأسئلةِ.»
ترتيبُ الغسيلِ على الحبلِ
كان طقسًا للخلاصِ،
وغناؤها لطائرٍ غيرِ مرئيٍّ
نشيدٌ لأرضٍ
تنتظرُ اسمَها
كما تنتظرُ الأرضُ المطرَ.
الوطنُ ليس في الخرائطِ،
بل في المنديلِ الذي تمسحُ به الدمعَ،
وفي الطريقةِ التي تُغلقُ بها البابَ
على انتظارٍ لا يشيخُ.
والوطنُ الذي ضاعَ مرّتين:
مرةً في الخارطةِ الممزّقةِ،
ومرةً في اسمِ أمّي
حين صاروا يسألون: من أنتِ؟
عيناها بحرٌ
يبدأُ وينتهي عندَ حجرٍ: «هنا، كانت هناك.»
سفنُ الغيابِ ترسو على ضفّتين:
ضفّةِ انتظارٍ لا تنتهي،
وضفّةِ يقينٍ
بأنَّ الغائبَ يعودُ
حين تفتحُ الأرضُ ذراعيها
للمطرِ الأخير.
توفّتْ،
لكنّها لم ترحلْ.
صارتْ إيقاعَ المطرِ
الذي لا أسمعُها
إلا حين أحتاجُ
أن أبكي
لوطنٍ لا يموتُ
إذ تموتُ أمّي.
أمي…
أسمعُ صوتَها في كلِّ حجرٍ،
في كلِّ غيمةٍ،
في كلِّ خبزةٍ مقسّمةٍ.
كنتُ أظنُّ الفقدَ نسيانًا،
لكنّها علّمتني:
الفقدُ وطنٌ،
وفقدُها نهرٌ
يمرُّ تحتَ عتباتِ البيتِ،
يحنو على كلِّ غائبٍ.
أمشي خلفَها…
أشمُّ الترابَ،
أمدُّ اليدَ،
أكتشفُ أنَّ كلَّ شيءٍ قديمٌ،
وأنَّها كلُّ شيءٍ جديدٌ.
حين يموتُ الليلُ،
تفتحُ النافذةَ،
يغسلُ الضوءُ وجهي،
يتركُ لي خبزًا،
ونبيذًا،
ورجاءَ يعودُ من بعيدٍ.
أمي…جسدي قميصُها القديمُ،
روحي ترابُها الطازجُ،
والأملُ الذي أزرعُهُ كلَّ صباحٍ
يحملُ اسمَها في حنيني.
الحياةُ هنا،
بين نافذتِها،
بين القهوةِ، بين الغيمِ،
تتوقفُ كلُّ الأشياءِ،
يبدأ الزمنُ من جديدٍ،
يستمرُّ المطرُ…
أمي…أعلمُ أنَّ الطريقَ لا ينتهي،
وأنَّ العودةَ ليست وعدًا،
بل حلمٌ صغيرٌ
يتنامى في صمتِ الليلِ،
في صدى خطواتِها،
في خبزِها، في ترابِها.
أمي…كلُّ غيمةٍ، كلُّ حجرٍ، كلُّ خبزٍ،
كلُّ نافذةٍ مكسورةٍ،
كلُّ يدٍ تمتدُّ إليَّ،
تذكّرُني أنّها هنا،
أنّي هنا معها،
وأنَّ الأرضَ لا تغادرُنا أبدًا.
أمي…تكتبُ الصمتَ على كلِّ الحيطانِ،
تروي العطشَ لكلِّ الأجسادِ،
تضيءُ الغيابَ،
تبقى في كلِّ قطرةِ مطرٍكأنَّها لم ترحلْ أبدًا.
أمي…ها أنا أكتبُ
كِشجرةً في صحراءِ اللغةِ،
وحجرًا على قبرٍ
لا يحملُ اسمًا،
كي لا تنسىأنَّ الطريقَ إليكِ
يمرُّ
بجروحٍ
لا تلتئمُ
إلا بعودتِكِ.
أمي…هنا، في كلِّ الزوايا،
في كلِّ الطرقِ الموصدةِ،
في كلِّ حجرٍ وترابٍ،
في كلِّ خيطِ ضوءٍ…
أمي موجودةٌ.
أمي…والأرضُ تصحو من نومِها
كي أجدَ نفسي فيها.
أكتبُكِ، أستعيدُكِ، أركضُ خلفَكِ،
أجدُكِ في الترابِ، في الحجرِ، في الغيمِ.
أمي…لكِ ما بقيَ مني،
وللأرضِ ما بقيَ من اسمي.



