الامتحاناتُ الرسميّةُ في زمنِ الحربِ: حينَ تُقاسُ العقولُ في بلدٍ ينهار| بقلم الأستاذ فاروق غانم خداج

جنوبٌ مُدمَّرٌ، مدارسُ تحوَّلَتْ إلى ملاجئَ، معلِّمونَ مُنهكونَ، وطلّابٌ يُمتحَنونَ على ما لم يُعاشْ قبلَ أن يُدرَسْ

ليس أخطرُ ما يعيشهُ لبنانُ اليومَ هو الحربُ وحدها، بل اعتيادُ الدولةِ على التصرّفِ وكأنَّ الحربَ تفصيلٌ عابرٌ، وكأنَّ انهيارَ العملةِ وتآكلَ الأجورِ مجرّدُ رقمٍ في نشرةٍ اقتصاديّةٍ.في الجنوبِ، حيثُ البيوتُ مُهدَّمةٌ والقرى شبهُ خاليةٍ، لا يُطرحُ السؤالُ: كيفَ نُعيدُ الناسَ؟ بل: متى نُجري الامتحاناتَ؟ وفي بلدٍ أُقفِلَتْ فيه مئاتُ المدارسِ قسرًا، وتحوَّلَ بعضُها إلى مراكزِ إيواءٍ، يُصبحُ السؤالُ نفسُه جزءًا من المشكلةِ لا مدخلًا إلى الحلِّ.

وفي المدارسِ التي تحوَّلَتْ إلى ملاجئَ، لا يُسألُ: كيفَ نحمي الطفولةَ؟ بل: كيفَ نُنهي العامَ الدراسيَّ؟

بينما المعلِّمُ، الذي لم يَعُدْ راتبُهُ يكفي ثُلثَ فاتورةِ مولِّدِ كهرباءٍ، يقفُ أمامَ طلّابِهِ عبرَ الشاشةِ، متسائلًا في سرِّهِ: هل ما أفعلهُ تعليمٌ، أم محاولةٌ يائسةٌ لتأجيلِ الانهيارِ؟

هكذا، بكلِّ بساطةٍ، تُختزلُ المأساةُ التربويّةُ في لبنانَ إلى جدولِ امتحاناتٍ.الحربُ لم تتوقّفْ، لكنَّ التعليمَ يُطلَبُ منه أن يتصرّفَ وكأنّها توقّفَتْ. مئاتُ المدارسِ أُقفِلَتْ قسرًا، وبعضُها لم يَعُدْ مدرسةً أصلًا، بل ملجأً للنازحينَ. التعليمُ الحضوريُّ أصبحَ امتيازًا جغرافيًّا، لا حقًّا وطنيًّا، فيما قُدِّمَ التعليمُ عن بُعدٍ كحلٍّ شاملٍ، يصلحُ لكلِّ البيئاتِ، وكأنَّ الواقعَ واحدٌ.

لكنَّ الواقعَ ليس واحدًا.

في قريةٍ جنوبيّةٍ خاليةٍ تقريبًا، يجلسُ طالبٌ أمامَ هاتفٍ صغيرٍ، يلتقطُ إشارةً متقطّعةً، يحاولُ أن يفهمَ درسًا لم يكتملْ، بينما عائلتُهُ تُفكّرُ في النزوحِ مجدّدًا. هذا الطالبُ نفسُهُ سيجلسُ بعدَ أشهرٍ أمامَ ورقةِ امتحانٍ واحدةٍ، يُفترضُ أنّها «عادلةٌ».

نسبةُ التفاعلِ المتدنّيةِ ليست تفصيلًا تقنيًّا، بل دليلٌ على انهيارِ العلاقةِ بينَ الطالبِ ومدرستِهِ. فكيفَ لطالبٍ نازحٍ، أو خائفٍ، أو يعيشُ على وقعِ التهديدِ اليوميِّ، أن يكونَ «متفاعلًا» خلفَ شاشةٍ؟

وكيفَ يمكنُ اختزالُ العدالةِ التربويّةِ بامتلاكِ جهازٍ إلكترونيٍّ، بينما تغيبُ الكهرباءُ المستقرّةُ، والإنترنتُ، والمساحةُ الآمنةُ، والذهنُ الهادئُ؟

في هذا المشهدِ، يقفُ المعلِّمُ كأكثرِ العناصرِ ضعفاً. لا لأنّهُ الأضعفُ، بل لأنّهُ الأكثرُ تحمّلًا. يُدرّسُ وهو يعلمُ أنَّ ما يُقدّمهُ ليس كافيًا، وأنَّ طلّابَهُ لا يتلقّونَ ما يستحقّونهُ. يتقاضى راتبًا يتآكلُ يوميًّا، ويُطلَبُ منهُ أن يُحافظَ على مستوىً تعليميٍّ لم تَعُدْ شروطُهُ متوافرةً.

المعلِّمُ في لبنانَ اليومَ لا يعملُ ضمنَ نظامٍ، بل يُقاومُ داخلَ فراغٍ. يقفُ بينَ واجبِهِ الأخلاقيِّ وانهيارِهِ الشخصيِّ، بينَ رغبتِهِ في الاستمرارِ وعجزِهِ عن الاحتمالِ. هو نفسُهُ بحاجةٍ إلى مَن يُطمئنُهُ، لكنَّهُ يُطلَبُ منهُ أن يكونَ مصدرَ الطمأنينةِ.

ووسطَ هذا كلِّهِ، يأتي القرارُ الأكثرُ حساسيّةً: الإصرارُ على إجراءِ الامتحاناتِ الرسميّةِ.من حيثُ المبدأِ، يبدو القرارُ دفاعًا عن قيمةِ الشهادةِ وعن مبدأِ العدالةِ. لكنَّ العدالةَ، في جوهرِها، لا تُقاسُ بتوحيدِ الامتحانِ، بل بتكافؤِ الفرصِ قبلَ الوصولِ إليهِ.

ووفقَ تقديراتٍ تربويّةٍ متداولةٍ، فإنَّ فجوةَ التعلّمِ بينَ المناطقِ والطلّابِ اتّسعتْ بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ خلالَ هذه المرحلةِ. فأيُّ تكافؤٍ يمكنُ الحديثُ عنهُ بينَ طالبٍ درسَ في بيئةٍ مستقرّةٍ نسبيًّا، وآخرَ تنقّلَ بينَ النزوحِ والانقطاعِ والخوفِ؟

الامتحانُ، بصيغتِهِ الحاليّةِ، يفترضُ أنَّ الجميعَ انطلقَ من النقطةِ نفسِها. وهذا لم يَعُدْ صحيحًا.وهنا تكمنُ المأساةُ: أن يُعامَلَ المختلفونَ كأنّهم متساوونَ، وأن يُطلَبَ من المُنهكِ أن يُنافسَ المستقرَّ، ومن الخائفِ أن يُجيبَ بهدوءٍ، ومن المقطوعِ عن التعلّمِ أن يُحاسَبَ على ما لم يُتَحْ لهُ أصلًا.

الأخطرُ أنَّ النقاشَ التربويَّ انحصرَ في «هل نُجري الامتحانَ أم لا»، بدلَ أن يتوسّعَ إلى سؤالٍ أعمقَ: أيَّ امتحانٍ نُريدُ، وفي أيِّ ظروفٍ، ولأيِّ طلّابٍ؟

لأنَّ الامتحانَ ليس هدفًا بحدِّ ذاتِهِ، بل وسيلةٌ لقياسِ مسارٍ تعليميٍّ. فإذا اختلَّ المسارُ، فقدتِ الوسيلةُ معناها.إلى جانبِ ذلك، لا يمكنُ فصلُ التعليمِ عن واقعِهِ المعيشيِّ.

لبنانُ اليومَ ليس فقط بلدًا يُواجهُ حربًا، بل بلدٌ يعيشُ انهيارًا اقتصاديًّا عميقًا. الأسعارُ ترتفعُ، القدرةُ الشرائيّةُ تتآكلُ، والعائلاتُ تُجبَرُ على إعادةِ ترتيبِ أولويّاتِها: الغذاءُ قبلَ التعليمِ، البقاءُ قبلَ التحصيلِ.

في هذا السياقِ، تُصبحُ المدرسةُ عبئًا إضافيًّا على كثيرينَ، لا مساحةَ خلاصٍ. ويُصبحُ الاستمرارُ في العمليّةِ التعليميّةِ إنجازًا فرديًّا، لا نتيجةَ نظامٍ متماسكٍ. أمّا المعلِّمُ، فيجدُ نفسَهُ بينَ خيارينِ كلاهما مُرٌّ: أن يستمرَّ في ظروفٍ غيرِ إنسانيّةٍ، أو أن ينسحبَ ويتركَ فراغًا أكبرَ.

وسطَ هذه الصورةِ، يبدو الإصرارُ على إجراءِ الامتحاناتِ كأنّهُ محاولةٌ للحفاظِ على الشكلِ العامِّ للدولةِ. كأنَّ النظامَ التربويَّ يجبُ أن يبدو قائمًا، حتى لو كانَ في داخلِهِ يتفكّكُ.

لكنَّ الشكلَ لا يُنقذُ الجوهرَ.الامتحانُ الحقيقيُّ اليومَ ليس في قاعةِ الصفِّ، بل في قدرةِ الدولةِ على الاعترافِ بحجمِ الأزمةِ. ليس المطلوبُ إلغاءَ الامتحاناتِ لمجرّدِ الإلغاءِ، بل إعادةُ التفكيرِ بها: كيفَ يمكنُ أن تكونَ عادلةً؟ كيفَ تُراعي الفروقاتَ؟ كيفَ تَقيسُ ما تعلَّمَهُ الطالبُ فعليًّا، لا ما كانَ يُفترضُ أن يتعلَّمَهُ؟

لبنانُ اليومَ أمامَ خيارٍ واضحٍ: إمّا أن يُواجهَ الواقعَ كما هو، ويبتكرَ حلولًا استثنائيّةً تُوازي استثنائيّةَ الأزمةِ، أو أن يتمسّكَ بالمسارِ التقليديِّ، فيُنتجَ شهاداتٍ لا تعكسُ حقيقةً، ونجاحاتٍ لا تُعبّرُ عن عدالةٍ.

في النهايةِ، لا يُقاسُ فشلُ الأنظمةِ بما تُقرِّرُهُ، بل بما تتجاهلُهُ.وما يتجاهلُهُ لبنانُ اليومَ هو أنَّ جيلًا كاملًا لا يعيشُ ظروفًا عاديّةً، ولا يمكنُ تقييمُهُ بأدواتٍ عاديّةٍ.

جيلٌ يتعلّمُ تحتَ الضغطِ، ويُطلَبُ منهُ أن ينجحَ وكأنَّ شيئًا لم يكنْ.لذلكَ، فإنَّ السؤالَ لم يَعُدْ: هل ستُجرى الامتحاناتُ الرسميّةُ؟ بل: ماذا سنقولُ لهؤلاءِ الطلّابِ عندما يكتشفونَ أنَّ ما طُلبَ منهم لم يكنْ عادلًا؟ لأنَّ الامتحاناتِ قد تُجرى،لكنَّ العدالةَ، إذا غابتْ، لا تُستعادُ.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn