بينَ الطَّموحِ والواقِعِ: هل ينجَحُ تَحديثُ المَناهِجِ في لُبنان؟ |فاروق غانم خداج

في بلدٍ أنهكَتْهُ الأزماتُ المُتتاليةُ، يبدو الحديثُ عن تَحديثِ المَناهِجِ التربويّةِ خطوةً مُتأخّرةً بقدرِ ما هيَ ضروريّةٌ. فالتعليمُ، الذي شَكّلَ يومًا أحدَ أبرزِ وجوهِ قوّةِ لبنان، يمرُّ اليومَ بمرحلةِ تراجُعٍ تستدعي إعادةَ بناءٍ عميقةٍ، لا مجرّدَ تحسيناتٍ شكليّةٍ.

تأتي مُبادرةُ وزارةِ التربيةِ والتعليمِ العالي في هذا السياق، مُحاوِلةً الانتقالَ من نموذجٍ قائمٍ على الحِفظِ والتلقينِ إلى نموذجٍ يركّزُ على التفكيرِ النقديِّ، وتنميةِ المهاراتِ، والتعلّمِ التفاعليّ. وهي، من حيثُ المبدأ، محاولةٌ لمواكبةِ التحوّلاتِ العالميّةِ في طرائقِ التعليمِ ومفاهيمِ التقييمِ.

لكنْ يبقى السؤالُ الجوهريّ: هل يكفي تَحديثُ المَناهجِ على الورقِ لإحداثِ تغييرٍ فعليٍّ داخلَ الصفوفِ، أم أنّ الفجوةَ بين النصِّ والتطبيقِ ستبقى عائقًا أمامَ أيِّ إصلاحٍ حقيقيٍّ؟

أوّلًا: بينَ النصِّ والتطبيقِ

لا يُقاسُ نجاحُ المَناهجِ بحداثةِ صِياغتِها، بل بقدرتِها على التحوّلِ إلى مُمارسةٍ يوميّةٍ داخلَ الصفِّ. وهنا يبرزُ دورُ المعلّمِ بوصفِه العنصرَ الحاسمَ في أيِّ إصلاحٍ تربويٍّ. فبدونِ تأهيلٍ جادٍّ ومُستمرٍّ، يفقدُ أيُّ منهجٍ فاعليّتَه، مهما بدا متقدّمًا نظريًّا. ويُطرحُ في هذا الإطار تساؤلٌ مشروعٌ: هل تمتلكُ الوزارةُ خطّةً تدريبيّةً شاملةً ومُستدامةً، أم أنّ الجهودَ ستبقى محصورةً في مبادراتٍ مُتقطّعةٍ وورشاتٍ محدودةِ الأثرِ؟

ثانيًا: جاهزيّةُ المُعلّمينَ

إنّ الانتقالَ من التعليمِ التقليديِّ إلى التعليمِ الحديثِ لا يتطلّبُ أدواتٍ فحسب، بل تغييرًا في الذهنيّةِ التربويّةِ نفسها؛ من ناقلِ المعلومةِ إلى مُوجّهِ التفكيرِ. ويتطلّبُ ذلك:

تدريبًا عمليًّا مُستمرًّاأدواتٍ تعليميّةً حديثةً

دعمًا إداريًّا وتقنيًّا فعّالًا

وآلياتِ تقييمٍ دوريّةٍ

وقد أظهرت تجربةُ التعليمِ خلالَ جائحةِ كورونا أنّ بعضَ المدارسِ استطاعت رفعَ مستوى تفاعلِ الطلابِ عبر الوسائطِ الرقميّةِ والعملِ الجماعيِّ، رغمَ محدوديّةِ الإمكاناتِ. ما يدلّ على أنّ التحوّلَ ممكنٌ متى توفّرت الإرادةُ والتنظيمُ.

ثالثًا: إصلاحٌ جوهريٌّ أم تحديثٌ شكليٌّ؟

غالبًا ما اقتصرَت التجاربُ السابقةُ على تعديلِ المحتوى دونَ المساسِ بالفلسفةِ التربويّةِ العامّةِ. غيرَ أنّ معيارَ النجاحِ لا يكمنُ في شكلِ الكتابِ أو عددِ صفحاته، بل في أثرِه على الطالبِ: قدرتِه على التحليلِ، واستقلالِه في التفكيرِ، واكتسابِه مهاراتٍ حياتيّةً تتجاوزُ حدودَ الامتحانِ.

رابعًا: بينَ النماذجِ العالميّةِ والواقعِ المحلّيّ

تُعدّ بعضُ النماذجِ العالميّةِ، مثلَ النموذجِ الفنلنديِّ، مثالًا على التعليمِ الذي يضعُ الطالبَ في مركزِ العمليّةِ التعليميّةِ، ويعتمدُ الفهمَ العميقَ بدلَ الضغطِ الأكاديميِّ.

غيرَ أنّ استنساخَ هذه النماذجِ في لبنان يصطدمُ بعوائقَ بنيويّةٍ، أبرزُها: تفاوتُ الإمكاناتِ بينَ القطاعينِ الرسميِّ والخاصِّ، محدوديّةُ المواردِ، هجرةُ الكفاءاتِ، واستمرارُ الأزماتِ الاقتصاديّةِ. لذلك، تبقى المقاربةُ الواقعيّةُ هي تكييفُ التجاربِ الناجحةِ مع السياقِ المحلّيِّ، لا نقلُها حرفيًّا.

خامسًا: الاقتصادُ والبنيةُ التحتيّةُ

لا يمكنُ فصلُ التعليمِ عن البيئةِ الاقتصاديّةِ. فالمعلّمُ الذي يعاني من ضغوطٍ معيشيّةٍ لن يكون قادرًا على أداءِ دورِه بالشكلِ المطلوبِ ضمنَ نظامٍ تعليميٍّ حديثٍ يتطلّبُ جهدًا إضافيًّا وتطويرًا مستمرًّا. وعليه، فإنّ تحسينَ أوضاعِ المعلّمينَ المعيشيّةِ يُعدّ شرطًا أساسيًّا لنجاحِ أيِّ إصلاحٍ تربويٍّ.

إلى جانبِ ذلك، تحتاجُ المَناهجُ الحديثةُ إلى بنيةٍ تحتيّةٍ مناسبةٍ: كهرباءَ مستقرّةً، إنترنتًا موثوقًا، تجهيزاتٍ رقميّةً، ووسائلَ تعليميّةً متطوّرةً. وهذه الشروطُ ما تزالُ غيرَ متوفّرةٍ بشكلٍ متوازنٍ، خصوصًا في القطاعِ العامِّ.

كما أنّ نجاحَ التعليمِ التفاعليِّ يرتبطُ بدورِ الأسرةِ، التي يفترضُ أن تدعمَ هذا التحوّلَ بدلَ الاكتفاءِ بثقافةِ الحفظِ المرتبطةِ بالامتحاناتِ.

سادسًا: الامتحاناتُ واستمراريّةُ الإصلاحِ

لا يمكنُ لمناهجَ حديثةٍ أن تُحقّقَ أهدافَها إذا بقيَ نظامُ الامتحاناتِ قائمًا على الحفظِ والتلقينِ. فالتقييمُ هو الذي يوجّهُ العمليّةَ التعليميّةَ فعليًّا، وأيُّ تناقضٍ بينَ المناهجِ والامتحاناتِ سيُعيدُ إنتاجَ الأساليبِ التقليديّةِ.

وتبقى مسألةُ الاستمراريّةِ من أبرزِ التحدّياتِ في لبنان، حيث تتبدّلُ السياساتُ بتبدّلِ الحكوماتِ. فغيابُ إطارٍ قانونيٍّ يضمنُ استدامةَ المشروعِ قد يحوّلُه إلى مبادرةٍ مؤقّتةٍ قابلةٍ للتعطّلِ أو الإلغاءِ.

رأيٌ شخصيٌّفي تقديري، يمثّلُ تحديثُ المناهجِ خطوةً ضروريّةً، لكنّه غيرُ كافٍ ما لم يُدمجْ ضمنَ رؤيةٍ شاملةٍ تشملُ تحسينَ أوضاعِ المعلّمينَ، وتطويرَ البنيةِ التحتيّةِ، وتحديثَ نظامِ الامتحاناتِ، وتعزيزَ دورِ الأهلِ، وضمانَ استمراريّةِ الإصلاحِ على المستوى المؤسّسيِّ.

فالإصلاحُ الحقيقيُّ لا يبدأُ من الكتبِ، بل من الإنسانِ: من المعلّمِ المُؤهَّلِ، والطالبِ المُحفَّزِ، والبيئةِ التي تسمحُ لهذا التفاعلِ أن ينموَ ويستمرَّ. وأيُّ معالجةٍ جزئيّةٍ ستبقى محدودةَ الأثرِ مهما بدت متقدّمةً في ظاهرِها.

خاتمة

يبقى السؤالُ مفتوحًا أمامَ واقعٍ مُعقّدٍ: هل نحن أمامَ إصلاحٍ تربويٍّ حقيقيٍّ، أم أمامَ تحديثٍ شكليٍّ للمناهجِ في سياقٍ مأزومٍ؟ الإجابةُ لن تُحسمَ في التصريحاتِ الرسميّةِ، بل ستتجلّى في تفاصيلِ الحياةِ اليوميّةِ داخلَ الصفوفِ، وفي مستوى أداءِ المعلّمِ، وفي طبيعةِ التقييماتِ، وفي قدرةِ هذا المشروعِ على الصمودِ أمامَ تقلباتِ السياسةِ والاقتصادِ.

عندها فقط يمكنُ الحكمُ إن كنّا نسيرُ نحو صناعةِ جيلٍ مُفكّرٍ قادرٍ على المبادرةِ، أم نكتفي بإعادةِ تجميلِ واجهةِ نظامٍ تعليميٍّ ما زالَ يواجهُ تحدّياتٍ بنيوية عميقة.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn