رأس المال البشري اللبناني: حصاد ٥١ عاماً من الحروب المتعاقبة والانهيار الاقتصادي. | د. بيار الخوري

منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975، دخل لبنان مساراً طويلاً من استنزاف رأس ماله البشري، وهو مسار استمر عبر عقود متتالية بفعل تداخل العوامل الأمنية والاقتصادية، ما أدى إلى تفريغ تدريجي للطاقات الأكثر تعليماً وإنتاجية. خلال سنوات الحرب، سُجّلت خسائر بشرية كبيرة وعمليات نزوح وهجرة واسعة، أعقبها استمرار في مغادرة الكفاءات خلال مرحلة ما بعد الحرب، حيث استقرت أنماط الهجرة الانتقائية التي طالت الأطباء والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الاختصاصات التقنية.

ومع تعاقب الأحداث، ساهمت محطات مثل حرب تموز 2006 وأحداث 7 أيار 2008 والحرب السورية وانفجار مرفأ بيروت، إضافة إلى حرب لبنان 2024 وحرب لبنان 2026 والأزمات الاقتصادية المتلاحقة وصولاً إلى الانهيار المالي بعد عام 2019، في تسريع وتيرة الهجرة وتعميق خسارة رأس المال البشري، بحيث تُقدَّر الهجرة التراكمية منذ 1975 بما بين 1.5 و2.2 مليون لبناني، مع تركّز واضح في الفئات الشابة والمتعلمة، ما انعكس تراجعاً في القدرة الإنتاجية واختلالاً في البنية الديموغرافية.

هذا المسار ترافق مع تحوّل تدريجي في بنية الاقتصاد، حيث ارتفعت مساهمة التحويلات المالية من المغتربين لتصل إلى نسب مرتفعة من الناتج المحلي، في مقابل تراجع مساهمة القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية، ما عزّز نمطاً اقتصادياً يعتمد على تدفقات خارجية لتعويض جزء من الخسارة البشرية من دون تعويض إنتاجيتها. الكلفة التراكمية لهذه الظاهرة لا تقتصر على خسارة الكفاءات، بل تشمل أيضاً كلفة التعليم والاستثمار البشري الذي انتقل إلى اقتصادات أخرى، إضافة إلى خسارة الإنتاجية المستقبلية المرتبطة بهذه الكفاءات.

في المقابل، تُظهر تجارب دول أخرى مسارات مختلفة في التعامل مع الهجرة. فقد شهدت أيرلندا موجات هجرة واسعة خلال فترات طويلة من تاريخها الحديث، خصوصاً في أواخر القرن العشرين، حيث غادر عدد كبير من الشباب الباحثين عن فرص عمل، ثم تحوّل المسار مع اعتماد سياسات اقتصادية قائمة على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير التعليم العالي، وتهيئة بيئة أعمال تنافسية، ما أدى إلى استقطاب شركات متعددة الجنسيات وخلق فرص عمل نوعية، وارتبط ذلك بعودة جزء من الكفاءات وبناء شبكات اقتصادية مع الانتشار في الخارج.

كما واجهت أرمينيا موجات هجرة كبيرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وتزامن ذلك مع تحديات اقتصادية وبنيوية، واتجهت إلى تفعيل دور الشتات عبر تشجيع الاستثمار وتحفيز نقل المعرفة، مع التركيز على قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، ما أتاح مساهمة المغتربين في النشاط الاقتصادي من خلال الاستثمار والعمل العابر للحدود، وخلق روابط مستمرة بين الداخل والخارج.

في الحالة اللبنانية، استمر مسار الهجرة بالتوازي مع محدودية في تحويل الانتشار الخارجي إلى شبكة إنتاج واستثمار متكاملة، رغم حجمه الكبير، وبقيت التحويلات المالية القناة الأساسية للارتباط الاقتصادي، مع مساهمة محدودة في نقل المعرفة أو بناء قطاعات إنتاجية جديدة داخل البلاد.

تراكمت هذه العوامل عبر خمسة عقود لتنتج خسارة ممتدة في رأس المال البشري، انعكست على معدلات النمو، وعلى قدرة الاقتصاد على الابتكار، وعلى تكوين الكوادر في القطاعات الحيوية، ما يجعل هذه الخسارة أحد أبرز التحديات البنيوية التي واجهت لبنان منذ عام 1975 وحتى اليوم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn