مطلّقة: حين يُعاد تعريف المرأة بعين المجتمع| د. ريم بالخذيري

كل نظرة قاضٍ، كل همسة حكم، كل ابتسامة مشروطة بفضول جارح. “مطلّقة”… كلمة قصيرة، لكنها حين تُقال، تُسحب منها كل أسمائها الأخرى: لا تعود امرأة، ولا ابنة، ولا روحاً تبحث عن حياة…تصير احتمالاً. احتمالاً مفتوحاً على الشبهة. هي لم تختر أن تُكسر، لكنهم يصرّون أن يروا فيها شقوقاً صالحة للتسلل.

يقولون لها بصوت خفيض: “أنتِ قوية”…لكن أعينهم تضيف: “وأنتِ متاحة.”تجلس وحدها أحياناً، لا تبكي، بل تتأمل هذا الانزلاق الغريب في صورتها: كيف تتحول امرأة كانت “محترمة” بالأمس، إلى امرأة يجب أن تبرر صمتها، ضحكتها، حتى خطواتها؟

تسأل نفسها: هل العفة حالة داخلية… أم شهادة يمنحها الآخرون؟ ومن هؤلاء الآخرون حتى يملكوا صكوك الطهارة؟ ولماذا تبدو العفة، في هذا العالم، امتيازاً لا يُمنح إلا لمن بقيت داخل القفص؟ هي تعرف جيداً تلك الازدواجية القاسية: المجتمع الذي يرفضها كزوجة، هو نفسه الذي يفتح لها أبواباً خلفية كخليلة. يريدها خارج الضوء، لكن قريبة بما يكفي لإشباع ظله.

كم مرة شعرت أن جسدها صار سؤالاً مفتوحاً، وأن روحها تُدفع إلى الهامش؟ كم مرة حاولت أن تتحدث، فوجدت أن صوتها يُختصر في ماضيها؟ هي ليست قديسة، لكنها ليست خطيئة أيضاً.

هي إنسانة، وهذا ما يبدو صعب التصديق. في داخلها صراع لا يهدأ: بين رغبتها في أن تُحب بصدق، وخوفها من أن تتحول إلى قصة جانبية في حياة رجل لا يجرؤ أن يعلنها. تسأل نفسها بمرارة هادئة: هل الحب حقٌّ كامل… أم رفاهية تُسحب من بعض النساء؟ وهل الشرف قيمة… أم أداة انتقاء اجتماعي؟

أنا لستُ كما يظنون…لكنني، في بعض الليالي، أخاف أن أكون كما يقولون. أمشي بين الناس بوجهٍ أعرفه، وآخر يتكوّن من انعكاساتهم عليّ. وجهٌ يقول: أنا بخير، وآخر يهمس في داخلي: هل أنتِ فعلاً كذلك… أم أنكِ تحاولين التماسك؟

يقولون إنني “تحرّرت”…وأنا أعرف أنني فقط سقطتُ خارج الحماية. بين الحرية والسقوط، خيط رفيع لا يراه أحد، لكنه يجرحني كلما حاولتُ أن أسمّي الأشياء بأسمائها. أكره نظراتهم… لكنني أكره أكثر أنني بدأت أفهمها. أنني صرت أتفادى الوقوف طويلاً، الضحك عالياً، حتى لا أؤكد لهم شيئاً لم أفعله. أراقب نفسي كما يراقبونني، وأدينها أحياناً… لأرتاح من إدانتهم.

هل هذا أنا؟ أم النسخة التي صنعها الخوف؟ أقول لنفسي إنني قوية…ثم أبكي لأن القوة هنا لا تُنقذني، بل تجعلني وحيدة أكثر. القويات لا يُواسين، يُختبرن.أشتاق… نعم، أشتاق.لكن اشتياقي ليس بريئاً كما كان. صار محاطاً بالريبة، بأسئلة لا تنتهي: هل سيحبني… أم سيختارني مؤقتاً؟ هل سيراني… أم سيرى وضعي فقط؟ أخاف من يقترب… وأخاف أكثر من أن لا يقترب أحد. تعبت من هذا التناقض، من أن أكون نصف رغبة ونصف حذر، نصف امرأة تريد أن تُحتضن، ونصف ذاكرة ترفض أن تُستغل. يقولون إن العفة قرار…وأنا أعرف أنها أحياناً رفاهية.ليست كل النساء يملكن نفس المسافة من السقوط، ولا نفس القدرة على الرفض، ولا نفس الحظ في أن يُصدَّقن. كم مرة أردتُ فقط أن أكون “عادية”…لا ملفاً مفتوحاً، ولا احتمالاً مثيراً، ولا درساً أخلاقياً يمشي على قدمين. لكنهم لا يرون ذلك. يرون امرأة خرجت من إطار، ويصرّون أن يضعوها في إطار آخر، أضيق… وأكثر قسوة.

وفي الداخل… أحاول أن أُنقذ نفسي مني. من هذا الصوت الذي يشبههم، الذي يهمس أحياناً: “ربما أنتِ فعلاً أقل مما كنتِ…” أرتجف من هذه الفكرة. أقاومها كأنني أقاوم السقوط من داخلي. أمسك بما تبقى من صورتي، وأعيد ترتيبها كل يوم، كمن يخاف أن يضيع اسمه.لكن… هناك عينان صغيرتان تراقبانني.

ابنتي.من عمر الزهور، تضحك كما لو أن العالم لم ينكسر بعد، وتسألني بثقة:“ماما، أنتِ بخير؟” فأبتسم… وأخفي تحت ابتسامتي كل هذا الركام. أخاف عليها… ليس فقط من العالم، بل من أن تراني وأنا أتعثر به. أخاف أن ترث عني هذا الشك، أن تكبر وهي تظن أن قيمتها قابلة للنقاش،

أن الحب قد يأتي ناقصاً، وأن عليها أن تقبل به. أخاف أن تصلها نظراتهم… قبل أن تصلها حقيقتها.ولهذا… حين جاءني ذاك الرجل، لم يكن صوته قاسياً…كان هادئاً أكثر مما يجب، واضحاً أكثر مما يتحمل قلبي. قالها دون أن يراها جريمة:“سأتزوجك”… لكن بشروطي، بصمتٍ يليق بوضعك، بدون حضور كامل، بدون أن تكوني في الضوء. ابتسم… وهمس لي: لم يعد لك الحظ في الزواج مرة أخرى،أما معي فأنا اخترتك أنتِ. كأنه يمنحني فرصة العمر، كأنه ينقذني من وحدتي.

وفي داخلي، انهار شيء قديم. ليس لأنه عرض مهين فقط، بل لأنه يعرف… أن العالم قد يجعلني أحتاجه. للحظة، ارتجفت.فكرتُ في الوحدة، في الخوف، في ليالٍ طويلة بلا صوت…في ابنتي… وفي تعب الطريق. ثم نظرتُ إليه…ولأول مرة، لم أرَ رجلاً… رأيتُ مرآةً لكل ما يرفضني.

فهمتُ فجأة: أن القبول بهذا لن ينقذني، بل سيمحو آخر ما تبقى مني. رفعتُ رأسي، بصوت لم أعرفه من قبل، قلت: “أنا لا أبحث عن ظلٍّ لأعيش فيه، ولا عن اسمٍ ناقص لأحتمي به. أنا امرأة… كاملة، وإن لم تجدوا لي مكاناً كاملاً، سأبقى وحدي… كاملة.

”تركني، وربما ظن أنني خسرت.لكني، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرت أنني لم أخسر نفسي. وفي ليلة متعبة، حين نامت ابنتي على صدري دون أن تسأل شيئاً…انكسر كل شيء بصمت.

لم أبكِ على نفسي،بكيت لأنني لا أملك أن أعدها بعالمٍ أرحم. مرّرتُ يدي على شعرها، وهمست في داخلي: “سامحيني… إن كبرتِ في عالمٍ سيحاول أن يعلّمكِ الخوف قبل أن يعلّمكِ نفسك.

”ثم أدركت شيئاً مرعباً: أنني لست فقط أحارب لأعيش…أنا أحارب لكي لا ترثي أنتِ هذه المعركة. كي لا تكبري وأنتِ تظنين أن عليكِ أن تشرحي نفسكِ للعالم، أو أن تدفعي ثمن كرامتكِ مرتين. ضممتُها أكثر، كأنني أُخفيها من قدرٍ يتربّص بها، ومن نسخةٍ مني… أخاف أن تصبحها.

وفي تلك اللحظة،لم أعد خائفة على نفسي كما كنت، بل خائفة… أن لا أستطيع حمايتها من كل هذا الظلم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn