وطنٌ يَفقدُ شبابَه… فمَن يبقى ليحملَ رايتَه؟ بقلم المربّي وائل ابو شقرا

ليس أقسى على وطنٍ من أن يرى أبناءه يرحلون، واحدًا تلو الآخر، بحثًا عن فرصةٍ للعمل، أو حياةٍ أكثر استقرارًا، أو مستقبلٍ لا يشعرون فيه بأن أحلامهم مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمّى.

إنّ هجرة الشباب ليست مجرّد انتقالٍ من بلدٍ إلى آخر، وليست أرقامًا تُضاف إلى إحصاءات المغتربين؛ إنّها استنزافٌ بشريٌّ وعلميٌّ واقتصاديٌّ واجتماعيٌّ يطال مستقبل الوطن نفسه. فالشاب الذي يغادر اليوم هو طبيبٌ أو مهندسٌ أو معلّمٌ أو صاحبُ مشروعٍ كان يمكن أن يساهم غدًا في بناء بلده.

نحن لا نتأسف على الشباب لأنهم اختاروا الهجرة، بل نتأسف على وطنٍ لم يستطع أن يمنحهم الأسباب الكافية للبقاء.

فحين يصبح البحث عن العمل رحلةً طويلة، وحين تضيق فرص التطوّر، وحين يشعر الشاب أنّ سنوات دراسته وتعبه لا تضمن له حياةً كريمة، تصبح الهجرة بالنسبة إليه خيارًا مفهومًا، لا خيانةً للوطن.

من هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يتحوّل الوطن من مكانٍ يريد الشباب بناء مستقبلهم فيه، إلى مكانٍ يريدون مغادرته لبناء مستقبلهم في الخارج.

والأخطر من ذلك أنّ هجرة الشباب لا تتوقف عند حدود الأفراد؛ فهي تؤثر في التركيبة الديموغرافية للمجتمع. فكلما ارتفعت نسبة الشباب المهاجرين، انخفضت نسبة الفئة القادرة على الإنتاج والعمل والابتكار، وتراجعت قدرة المجتمع على تجديد نفسه. ومع مرور السنوات، قد نجد وطنًا يملك الأرض والحدود والذاكرة، لكنه يفتقد أهم ثرواته: الإنسان.وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: *بعد خمس سنوات، كم شابًا سيبقى؟ وبعد عشر سنوات، من سيبني الوطن؟

وإذا استمرّ النزيف نفسه، فهل سنصل إلى يومٍ يصبح فيه المغتربون أكثر من المقيمين؟ لا يمكن بناء وطنٍ قويٍّ إذا كان شبابه يرون مستقبلهم في مطاراته، لا في مدنه وقراه. ولا يمكن مطالبة الجيل الجديد بالبقاء والتضحية، من دون تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة: عملٌ لائق، تعليمٌ منتج، عدالةٌ في الفرص، بيئةٌ اقتصاديةٌ مستقرة، وأملٌ حقيقيٌّ بالمستقبل.

الوطن لا يخسر أبناءه يوم يغادرون فقط؛ بل يخسرهم قبل ذلك، يوم يفقدون الثقة بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.لذلك، فإنّ القضية ليست: لماذا يهاجر الشباب؟

بل السؤال الأعمق هو: ماذا فعلنا كي يبقى الشباب؟إنقاذ الشباب من الهجرة لا يكون بالشعارات، ولا بطلب الصبر منهم إلى ما لا نهاية، بل بفتح الآفاق أمامهم، وإعطائهم فرصةً حقيقية ليكونوا جزءًا من مستقبل وطنهم.

فالشباب ليسوا عبئًا على الوطن، بل هم رأس ماله الحقيقي.وإذا استمر الوطن في خسارة شبابه، فقد يأتي يوم لا نسأل فيه: لماذا هاجروا؟بل نسأل بحسرة:مَن بقي؟الأستاذ وائل بوشقرا

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn