اقتصاد الانتباه: كيف تُباع عقولنا للإعلانات والخوارزميات دون أن ندري؟ استعراض مقال د. فيولا مخزوم في موقع وزارة الإعلام

مقال الدكتورة فيولا مخزوم الذي يحمل عنوان «اقتصاد الانتباه: كيف تُباع عقولنا للإعلانات والخوارزميات دون أن ندري؟» يقدم قراءة واعية ومترابطة لظاهرة مركزية في عالمنا الرقمي المعاصر: تحويل انتباه الإنسان إلى سلعة اقتصادية. تبدأ الكاتبة بتحديد الإطار العام للمشكلة، سباق عالمي للسيطرة على العقل البشري لا تُستخدم فيه الأسلحة التقليدية بل الخوارزميات والإعلانات وبيانات المستخدم، ثم تفتح أبواباً لشرح آليات العمل النفسي والتقني التي تقف خلف هذا التحوّل.

تفسّر لنا كيف استطاعت منصات التكنولوجيا الكبرى بناء أنظمة قادرة على تتبّع النَّفَس الرقمي للمستخدم: متى يشعر بالملل، ما الذي يستدرجه انفعاله، ما الذي يثير مقاومته أو فضوله، وكل ذلك ليحول وقته إلى مورد تُجنى عليه الأرباح.

الطرح لا يقتصر على نقد تجاري للتكنولوجيا؛ بل يتعدّاه إلى بعدٍ أخلاقي وسياسي. توضح الكاتبة أن الخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تؤثر في المزاج والقرار، وتتحوّل أحياناً إلى أدوات «هندسة نفسية» تهدف للتنبؤ بالاحتياجات قبل أن يشعر المستخدم بها. هذا التشخيص يجعل من اقتصاد الانتباه ظاهرة ذات تبعات على الديمقراطية، حيث تنتشر الأخبار المضللة والرسائل التحريضية لأن إثارة الانفعال تنتج تفاعلاً أعلى، وبالتالي أرباحاً أكبر. هنا تربط الكاتبة بشكل واضح بين منطق الربح ومحفزات انتشار المحتوى، مؤكدة أن ما يبدو حرية اختيار في الواقع نتاج هندسة مُصمَّمة للبقاء بالواجهة.

أهم نقاط القوة في المقال هي وضوح اللغة وسلاسة البناء الفكري، وقدرة الكاتبة على المزج بين التحليل التقني والاجتماعي. تستند الفقرات إلى أمثلة من واقع المنصات الرقمية وتبيّن كيف تغيب الوعي الرقمي لدى فئات واسعة في العالم العربي، نتيجة ضعف التربية الإعلامية ونقص التشريعات لحماية البيانات. هذا السياق المحلي يضيف للمقال طابعه العملي: فالمشكلة ليست فقط عالمية بل لها أشكال خاصة في مجتمعاتنا، حيث يتزايد التأثر ويتضاءل المناعة المعرفية.

تقترح الكاتبة مسارات عملية لمواجهة اقتصاد الانتباه، ليس عبر رفض التكنولوجيا، بل عبر إعادة تركيب دور الإعلام والتربية والقانون. من أبرز الاقتراحات: تدريب الإعلاميين على فهم الخوارزميات، إنتاج محتوى مسؤول لا يستثمر في الانفعال، تشريعات تنظم جمع البيانات وتفرض شفافية على آليات العمل للمنصات، وبرامج وطنية للتربية الإعلامية. النقطةُ الأهم هنا أن الحل مبني على توازن بين وعي المجتمع المدني، وإصلاح مؤسسات الإعلام، وتشريع فعّال يحمِي خصوصيات الناس ويقي مجتمعنا من التلاعب الرقمي.

أسلوب الكاتبة تحرّيضي لكنه متوازن؛ لا تهرول إلى المبالغة ولا تهمل الجانب النفعي للتكنولوجيا، بل تدعو إلى «استعادة العقل» وإعطاء المواطن أدوات معرفية دفاعية. تُعيد الكاتبة للصورة بعداً إنسانياً: الدفاع عن الانتباه هو دفاع عن حرية الرأي والقرار، ومهمة جماعية تتطلب تعاون الدولة والمعلِم والمؤسسة الإعلامية والمواطن.

هذه الخاتمة الفلسفية تُعطي المقال نبضة أخلاقية ضرورية لجعل النقاش أكثر من مجرد تقنية أو اقتصاد.

المقال مقدّمة ممتازة وموجّهة لصانعي القرار والممارسين الإعلاميين والجمهور العام على حد سواء.

خلاصة التقييم: مقال واضح، مترابط، ذو نبرة نقدية مسؤولة ومقترحات عملية قابلة للتطبيق. ينجح في وضع «اقتصاد الانتباه» في دائرة الاهتمام الوطني، ويُعد نداءً مُستدَعِماً للتربية الإعلامية والتشريع وابتكار خطاب إعلامي جديد يحترم العقل. يمكن ان يشكل نقطة انطلاق لحملة توعوية وطنية وأن تتبعها مواد أكثر تقنية ومشروعات تعليمية عملية لترجمة الدعوة إلى سياسات وبرامج.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn