نُشر هذا المقال في منصة Jadidouna News بقلم جان زغيب، وهو نص قصير بالحجم لكنه كثيف بالدلالات النفسية والاجتماعية والفكرية، إذ يحاول مقاربة مفهوم “الغربة” من زاوية مختلفة تماماً عن المعنى التقليدي المرتبط بالسفر أو الهجرة. المقال يطرح فكرة أن أخطر أنواع الغربة ليست الابتعاد الجغرافي عن الوطن، بل شعور الإنسان بأنه أصبح غريباً داخل مجتمعه وداخل يومياته وحتى داخل ذاته.
ينطلق الكاتب من توصيف الحالة اللبنانية بوصفها حالة “نزيف صامت”، حيث يعيش الأفراد في بيئة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية بطريقة تطيح تدريجياً بالقيم الإنسانية لمصلحة منطق المادية والاستهلاك والنجاة الفردية. وهنا لا يتحدث النص عن أزمة مالية أو سياسية مباشرة، بل عن تحوّل أعمق يطال معنى الحياة نفسه، إذ يصبح الإنسان محكوماً بهاجس البقاء فقط، بعدما كان يسعى سابقاً إلى تحقيق معنى شخصي أو أثر اجتماعي أو بصمة فكرية.
ويستخدم الكاتب تعبير “الوجودية المشوّهة” لوصف هذا التحول، في إشارة إلى حالة يعيش فيها الفرد انفصالاً عن أهدافه الكبرى وعن شعوره الداخلي بالقيمة. فالإنسان، وفق النص، لم يعد يمتلك رفاهية البحث عن الذات أو بناء الأحلام، بل بات يركض خلف الحاجات الأساسية والخوف من الانهيار. هذه الفكرة تعكس صورة مجتمع مرهق نفسياً، حيث تتراجع الطموحات الفكرية والثقافية أمام ضغط الحياة اليومية.
كما يربط الكاتب بين هذه الأزمة وبين التأثير المتصاعد لمنصات التواصل الاجتماعي، معتبراً أنها ساهمت في “تسطيح الوعي” وخلق أوهام اجتماعية وعاطفية. فالفرد بات يمتلك حضوراً رقمياً واسعاً وعلاقات افتراضية كثيرة، لكنه يفتقد العلاقات الإنسانية الحقيقية القائمة على الدعم والتضامن والتفاعل الصادق. هنا يسلط المقال الضوء على مفارقة العصر الرقمي: الاتصال الدائم لا يعني بالضرورة القرب الإنساني، بل قد يخفي عزلة أعمق وأكثر قسوة.
وفي أحد أكثر مقاطع النص تعبيراً، يطرح الكاتب سؤالاً وجودياً مباشراً: هل نحن نعيش فعلاً، أم أننا فقط نؤجل الموت؟ هذا السؤال يشكل جوهر المقال، لأنه ينقل النقاش من الإطار الاجتماعي إلى المستوى الفلسفي والروحي. فالمشكلة، بحسب الطرح، لا تتعلق فقط بانهيار الاقتصاد أو ضعف المؤسسات، بل بتحول الإنسان إلى كائن منهك فاقد للمعنى، يعيش آلياً تحت ضغط الاستمرار لا أكثر.
ورغم النبرة القاتمة، لا ينتهي المقال عند حدود التشخيص، بل يحاول تقديم مقاربة خلاص فردية تقوم على “استعادة السيطرة على الذات”.
فالكاتب يرى أن الصمود الحقيقي ليس جسدياً فقط، بل فكري وثقافي وروحي أيضاً. لذلك يدعو إلى ما يسميه “العزلة الإيجابية”، أي الابتعاد الواعي عن الضجيج والتفاهة والابتذال من أجل حماية التوازن الداخلي وإعادة بناء الذات.
ويبرز هنا البعد الثقافي للمقال، إذ يمنح الكاتب للكلمة والصمت والتأمل دوراً علاجياً في مواجهة التفكك النفسي والاجتماعي. فالقلم يتحول إلى أداة مقاومة وترميم، والصمت يصبح مساحة للتفكير لا علامة ضعف أو انسحاب. كما أن النص يحمل نقداً ضمنياً للإعلام السطحي والخطابات الاستهلاكية التي تكتفي بالمظاهر ولا تلامس القلق الحقيقي الذي يعيشه الإنسان اللبناني اليوم.
مقال “في لبنان… نعيش أصعب أنواع الغربة” لا يقدم تحليلاً سياسياً مباشراً، بل يلامس أزمة الهوية والانتماء والمعنى في مجتمع يعيش تحت ضغط الانهيارات المتتالية. قوته الأساسية تكمن في قدرته على التعبير عن شعور جماعي منتشر لدى كثير من اللبنانيين والعرب، وهو الإحساس بأن الإنسان قد يتحول إلى غريب داخل وطنه، حتى من دون أن يغادره.



