في السنوات الأخيرة، لم يعد التحدي الأكبر في التعليم هو شرح الدرس أو إيصال المعلومة، بل أصبح التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على انتباه الطالب؟
كمعلمين، بدأنا نلاحظ أمرًا واضحًا داخل الصفوف: الطالب اليوم لم يعد قادرًا على التركيز كما في السابق. حصة كاملة لمدة ساعة أصبحت طويلة بالنسبة لكثير منهم، والانتباه يتشتت بسرعة، والملل يظهر خلال دقائق. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا هما السبب؟
من خلال ممارستي في التعليم، أرى أن الطلاب تغيّروا فعلًا، ليس لأنهم أقل ذكاءً، بل لأن عقولهم تعوّدت على “السرعة”. فيديوهات قصيرة، إجابات فورية، تطبيقات تختصر الوقت، وذكاء اصطناعي يعطي الحل خلال ثوانٍ… كل هذا جعل الطالب يميل إلى المعلومة السريعة بدل رحلة البحث والتفكير الطويلة.
الطالب سابقًا كان يقرأ الصفحة كاملة ليصل إلى الجواب، أما اليوم فأصبح يريد “الخلاصة” مباشرة. حتى طريقة طرح الأسئلة تغيّرت؛ البعض لم يعد يسأل ليفهم، بل ليسمع الجواب السريع وينتهي الأمر.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: هل ما زال الطالب يتعلّم… أم أصبح فقط يستهلك المعلومات؟
الذكاء الاصطناعي بحد ذاته ليس عدوًا للتعليم، بل قد يكون من أعظم الأدوات التعليمية في التاريخ إذا استُخدم بشكل صحيح. يستطيع شرح الدروس، تبسيط الأفكار، مساعدة الطلاب الضعفاء، وحتى توفير الوقت للمعلم. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الطالب من “باحث عن المعرفة” إلى “شخص ينتظر الحل الجاهز”.
بعض الطلاب اليوم لم يعودوا يحتملون الشرح الطويل أو التحليل العميق، لأن عقولهم تعوّدت على نمط سريع يشبه مواقع التواصل الاجتماعي: معلومة خلال ثوانٍ، فيديو قصير، انتقال سريع، ثم ملل سريع.
وهذا ما نراه داخل الصف؛ تراجع في التركيز، وصعوبة في الصبر على حل طويل، وملل من القراءة المطولة، واعتماد متزايد على النسخ والإجابات الجاهزة، وضعف في النقاش والتحليل لدى بعض الطلاب.
لكن في المقابل، هناك رأي آخر يقول إن المشكلة ليست في الطلاب فقط، بل في أسلوب التعليم نفسه. ربما الجيل الجديد لم يعد يناسبه أسلوب التعليم التقليدي القائم فقط على التلقين والشرح الطويل.
وربما على المدارس أن تتطور أيضًا بدل الاكتفاء بلوم التكنولوجيا.
ومن خلال الملاحظة أيضًا، لم يتغير الطلاب وحدهم، بل حتى بعض الأهالي تغيّروا بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. فالكثير من العائلات أصبحت منشغلة بتأمين أساسيات الحياة، ما أدى أحيانًا إلى تراجع المتابعة اليومية للأولاد دراسيًا وتربويًا. بعض الطلاب اليوم يعيشون ضغطًا نفسيًا داخل المنزل قبل المدرسة، وهذا ينعكس مباشرة على التركيز والسلوك والرغبة في التعلّم.
وربما هنا تقع مسؤولية كبيرة على الأهالي أيضًا، إذ يجب قدر الإمكان عدم تحميل الأطفال هموم الأوضاع الصعبة أو إشعارهم الدائم بالتوتر والمشكلات المحيطة بهم. فالولد أو الطفلة مسؤوليتهم الأساسية هي الدراسة، بناء مستقبلهم، والعيش بمرحلتهم العمرية بشكل طبيعي، لا التفكير المستمر بالمشكلات المعيشية والخوف من المستقبل. لأن الطفل عندما يفقد شعوره بالأمان والاستقرار النفسي، ينعكس ذلك مباشرة على تركيزه داخل الصف وعلى قدرته على التعلّم.
وهنا يبدأ الجدل الحقيقي: هل الذكاء الاصطناعي دمّر قدرة الطلاب على التركيز؟ أم كشف أن طرق التعليم القديمة لم تعد قادرة على جذب هذا الجيل؟ أم أن الظروف المعيشية الصعبة جعلت التعليم نفسه يتراجع في سلم الأولويات؟
قد يكون الجواب بين كل هذه الأسباب.فالطالب اليوم يعيش في عالم سريع ومتعب في الوقت نفسه، وإذا لم ينجح التعليم في مواكبة هذا التغيير، فقد نخسر أهم شيء: شغف التعلّم نفسه.لذلك، ربما لم يعد المطلوب فقط أن نعلّم الطلاب المعلومات، بل أن نعيد تدريبهم على الصبر، التفكير، التركيز، والقدرة على التعلم العميق في زمن السرعة.
الأستاذ والمؤلف وائل بوشقرا



